محمد أبو زهرة
1974
زهرة التفاسير
والخلد اسم للجزء الذي يتبقى من الإنسان على حالته . . وأصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة . . والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها . قال تعالى : وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . والأبد قال فيه الراغب : « مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ ، وأبد يأبد بقي أبدا ، ويعبر به عما يبقى مدة طويلة » ، وإن تفسير الخلود على ما ذكره الراغب يقتضى بقاء الناس يوم القيامة بأبدانهم من غير أن يعتريها فساد ولا فناء ولا تحلل أجزاء ، فأهل الجنة يبقون بقاء تمتع ونعيم وأهل النار تبقى أجسامهم في شقاء وعذاب أليم ، لا تبليها النار ولا يفنيها العذاب ، ولا يذهب بالحساسية فيها توالى الاكتواء ، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) [ النساء ] . والأبدية معناها الدوام ، كما دل على ذلك مجموع النصوص القرآنية ، وإن تأكيد الخلود بالأبدية يدل على بقاء العذاب والنعيم . ذيل الله سبحانه وتعالى الآيات بهذا ليبين لهم أن الله تعالى غالب على كل شئ ، وأن عذابهم أمر يسير عليه ، لإبطال زعمهم في أنهم لا يقدر عليهم أحد ، ذلك أن كل طاغية من طغاة الدنيا سبب طغيانه واسترساله في شره ظنه أن لن يقدر عليه أحد ، مع أن الله تعالى هو القاهر فوق عباده ، اللهم أبعد عن خلقك طغيان الطاغين ، وغرور المغترين ، وأرزق المؤمنين الأمن والاطمئنان . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 170 إلى 171 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 171 )